أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

406

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : لَيَجْمَعَنَّكُمْ : جواب قسم محذوف ، وفي جملة هذا القسم مع جوابه ثلاثة أوجه : أحدها : أنها في محلّ رفع خبرا ثانيا لقوله « اللَّهُ » ، و « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » جملة خبر أول . والثاني : أنها خبر لقوله : « اللَّهُ » أيضا ، و « لا إِلهَ إِلَّا هُوَ » جملة اعتراض بين المبتدأ وخبره . والثالث : أنها مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب . وقد تقدم إعراب اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ « 1 » و لا رَيْبَ فِيهِ « 2 » في البقرة . قوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنها على بابها من انتهاء الغاية . قال الشيخ « 3 » : « ويكون الجمع في القبور ، أو تضمّن « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » معنى « ليحشرنّكم » فيعدّى ب « إلى » . يعني أنه إذا ضمّن الجمع معنى الحشر لم يحتج إلى تقدير مجموع فيه . وقال أبو البقاء - بعد أن جوّز فيها أن تكون بمعنى « في » - « وقيل : هي على بابها أي : ليجمعنّكم في القبور ، فعلى هذا يجوز أن يكون مفعولا به ، ويجوز أن يكون حالا أي : ليجمعنّكم مفضين إلى حساب يوم القيامة » يريد بقوله « مفعولا به » أنه فضلة كسائر الفضلات نحو : « سرت إلى الكوفة » ولكن لا يصحّ ذلك إلا بأن يضمّن الجمع معنى الحشر كما تقدم ، وأمّا تقديره الحال ب « مفضين » فغير جائز لأنه كون مقيّد . والثاني : أنها بمعنى « في » أي : في يوم القيامة ، ونظيره قول النابغة : 1639 - فلا تتركنّي بالوعيد كأنّني * إلى النّاس مطليّ به القار أجرب « 4 » أي : في الناس . والثالث : أنها بمعنى « مع » ، وهذا غير واضح المعنى . والقيامة بمعنى القيام كالطّلابة والطّلاب ، قالوا : ودخلت التاء فيه للمبالغة كعلّامة ونسّابة لشدة ما يقع فيه من الهول ، وسمّي بذلك لقيام الناس فيه للحساب ، قال تعالى : يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 5 » والجملة من قوله : « لا رَيْبَ فِيهِ » فيها وجهان : أحدهما : أنها في محلّ نصب على الحال من « يَوْمِ » ، فالضمير في « فِيهِ » يعود عليه . والثاني : أنها في محلّ نصب نعتا لمصدر محذوف دلّ عليه « لَيَجْمَعَنَّكُمْ » أي : جمعا لا ريب فيه ، والضمير يعود عليه والأول أظهر . « وَمَنْ أَصْدَقُ » تقدّم نظير هذه الجملة . و « حَدِيثاً » نصب على التمييز . وقرأ الجمهور « أَصْدَقُ » بصاد خالصة ، وحمزة والكسائي بإشمامها زايا ، وهكذا كلّ صاد ساكنة بعدها دال ، نحو : « تصدقون » و « تصدية » ، وهذا كما فعل حمزة في « الصِّراطَ » « 6 » و « بِمُصَيْطِرٍ » « 7 » للمجانسة قصد الخفّة .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية ( 255 ) . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 2 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 312 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) سورة المطففين ، الآية ( 6 ) . ( 6 ) سورة الفاتحة ، الآية ( 5 ) . ( 7 ) سورة الغاشية ، الآية ( 22 ) .